الجصاص
4
أحكام القرآن
[ التوبة : 5 ] . وقال مجاهد : ليست بمنسوخة ، لكنه على جهة التهدد كقوله تعالى : ( ذرني ومن خلقت وحيدا ) . وقوله : ( تبسل ) قال الفراء : " ترتهن " وقال الحسن ومجاهد والسدي : " تسلم " . وقال قتادة : " تحبس " . وقال ابن عباس : " تفضح " . وقيل : أصله الارتهان ، وقيل : التحريم ، ويقال أسد باسل لأن فريسته مرتهنة به لا تفلت منه ، وهذا بسل عليك أي حرام عليك لأنه مما يرتهن به ، ويقال : أعطى الراقي بسلته أي أجرته لأن العمل مرتهن بالأجرة ، والمستبسل المستسلم لأنه بمنزلة المرتهن بما أسلم فيه . قوله تعالى : ( فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي ) . قيل فيه ثلاثة أوجه ، أحدها : أنه قال ذلك في أول حال نظره واستدلاله على ما سبق إلى وهمه وغلب في ظنه ، لأن قومه قد كانوا يعبدون الأوثان على أسماء الكواكب فيقولون هذا صنم زحل وصنم الشمس وصنم المشتري ، ونحو ذلك . والثاني : أنه قال قبل بلوغه وقبل إكمال الله تعالى عقله الذي به يصح التكليف ، فقال ذلك وقد خطرت بقلبه الأمور وحركته الخواطر والدواعي على الكفر فيما شاهده من الحوادث الدالة على توحيد الله تعالى ، وروي في الخبر أن أمه كانت ولدته في مغار خوفا من نمرود لأنه كان يقتل الأطفال المولودين في ذلك الزمان ، فلما خرج من المغار قال هذا القول حين شاهد الكواكب . والثالث : أنه قال ذلك على وجه الانكار على قومه ، وحذف الألف وأراد : أهذا ربي ! قال الشاعر : كذبتك عينك أم رأيت بواسط * غلس الظلام من الرباب خيالا ومعناه : أكذبتك . وقال آخر : رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع * فقلت وأنكرت الوجوه هم هم معناه : أهم هم . ومعنى قوله : ( لا أحب الآفلين ) إخبار بأنه ليس برب ولو كان ربا لأحببته وعظمته تعظيم الرب . وهذا الاستدلال الذي سلك إبراهيم طريقه من أصح ما يكون من الاستدلال وأوضحه ، وذلك أنه لما رأى الكوكب في علوه وضيائه قرر نفسه على ما ينقسم إليه حكمه من كونه ربا خالقا أو مخلوقا مربوبا ، فلما رآه طالعا آفلا ومتحركا زائلا قضى بأنه محدث لمقارنته لدلالات الحدث وأنه ليس برب ، لأنه علم أن المحدث غير قادر على إحداث الأجسام وأن ذلك مستحيل فيه كما استحال ذلك منه إذ كان محدثا ، فحكم بمساواته له في جهة الحدوث وامتناع كونه خالقا ربا . ثم لما طلع القمر فوجده من العظم والإشراق وانبساط النور على خلاف الكوكب قرر أيضا نفسه على حكمه فقال : هذا ربي ، فلما راعاه وتأمل حاله وجده في معناه في باب مقارنته للحوادث من الطلوع والأفول والانتقال والزوال حكم له بحكمه وإن كان أكبر وأضوأ منه ، ولم يمنعه ما شاهد من اختلافهما من العظم والضياء من أن يقتضي له بالحدوث لوجود